جدل اللفظ والمعنى - مدونة الرسائل الجامعية العربية

الجمعة، 19 فبراير 2016

جدل اللفظ والمعنى

جدل اللفظ والمعنى


الوصف:

ﻻريب أن اللغة وسيلتنا إلى الإبانة عن مقاصدنا، وأداتنا في التواصل، ولكنها في بعض الأحيان تفضي إلى التفاصيل بمقدار ما تعين على التواصل، ويكتنفها الغموض والتعمية بمقدار ما تملك من إمكانات الإبانة. وليس القصد من هذا التمهيد أن يعطل القول بفضل اللغة في إقامة التواصل، ولكنه يهدف إلى تقصي العامل التي تتوسل بها اللغة إلى الإبانة عن معاني الفاظها، وتتبع العوامل التي تفضي باللغة إلى التباس دلالة اللفظ، أو تراخ بين اللفظ ودﻻلته إلى حد الإيهام دون الإحكام. وليست العربية بدعا بين اللغات في هذه الجهة، ولكن لها خصوصية في امتدادها في الزمان ستة عشر قرنا، وماتزال نصوصها وكثير من ألفاظها المعمرة متداولة، وقد خضع كثير من ألفاظها لناموس التطور، فانزاحت عن دﻻلتها الأولى، ولعل كثيرا من الناس يوهمون إذ يظنون أن الالفاظ المتقادمة كانت تعني عند الأوائل ما يفهمونه منها الان، كما أن العربية قد وصفت وجمع معجمها منتظما للهجات غربية متعددة، وكان من مظاهر اختلاف اللهجات - على الرغم من تلاقيها على قدر أساسي مشترك - أن الكلمة الواحدة تستعمل في لهجتين مختلفتينبمعنيين مختلفين اختلافا يسيرا أو خطيرا. إن جدل اللفظ والمعنى في العربية وما يكتنف استعمال اللغة من متغيرات موقف الخطاب، وتنوع السياق، ودورة الزمان، قد افضى بها إلى ظواهر من الترادف والمشترك اللفظي والاضداد إلى تجلية وتفسير. إن مناقشة ما تقدم تؤذن بالإجابة عن أسئلة يقتضيها البحث، ومنها: ما العوامل التي تفضي إلى وقوع التفاصل؟ وما العوامل التي تتوسل بها اللغة إلى الابانة عن معاني الفاظها؟ وهل هناك تطور دلالي في العربية؟ وما موقف القدماء منه؟ إن هذه الدراسة تفضي إلى معادة النظر في أعمال المعجميين القدماء، وفي رسائلهم في المعاني، وفي كتب فقه اللغة وغيرها، وليس القصد من هذه العودة أن أتحدث عن بعض العيوب التي يرمي بها المعجم العربي. بل إنه النظر في دلالات الكلمات في المعجمات ومظان العربية حتى أتبين مناهجهم في تحديدها. وهذا يعني أنها دراسة وصفية أتحدث فيها عن جهد القدماء في رسم الحدود الدلالية للألفاظ، ولكني سأجنح للدراسة التاريخية عند الحديث فيها عن التطور الدلالي مستضيئا بكتب اللسانيين المحدثين في علم اللغة عامة، ومقولات علم الدلالة خاصة، حتى أنظر في مناهج تحديد المعنى في الدرس اللساني الحديث، وفي التطور الدلالي : علله وقوانينه. وقد حرصت على أن أخذ البحث بقوابله، فمهدت له في الفصل الأول مشيرا إلى أن اللغة نظام كلي يأتلف من أنظمة جزئية، وأن معاني الكلمات ﻻ تتحدد بالقيم التجريدية المشار إليها في المعجمات فقط، إذ إن لكثير منها ظلالا من المعاني النفسية والعاطفية والهامشية التي تكسبها ألوانا مؤقتة من الأحاسيس والمعاني الجزئية، وعرجت في الفصل الأول على بعض مناهج تحديد المعنى في الدرس اللساني الحديث، وقد بدا لي أنها متعددةمتباينة، وأن لكل منها مرتكزا في تفسير المعنى، ومنظارا منبنيا على المرتكز في تحديده، أي أن ثمة افتراقا بين المناهج في تفسير المعنى وتحديده، ومن ثم عرضت لمحددات المعنى عند علماء العربية، والحق أن تلك المحددات مبثوثة في مظانهم المختلفة وأنهم أولوا هذا الجانب عناية بالغة، فإذا ما أراد المرء أن يلملم نثار تلك المحددات فإن بمكنته أن يضع تصورا عاما لمحددات المعنى عند علماء العربية، أو أن يضع تصور الوسائل العربية في إبانتها عن رسوم التعبير ومقاصد الكلام، ثم عرجت بعد ذلك على مناهج المعجميين العرب في تحديد دلالات الألفاظ مشيرا إلى أن الطرق المنهجية قد تعددت حتى لكادت تستنفذ كل الاحتماﻻت الممكنة في التأليف، إذ إن العرب كانوا بارعين لما تنبهوا إلى جانبي الكلمة، اللفظ والمعنى فرتبوا معجماتهم وفقا لهذين الجانبين. أما الفصل الثاني فقد اشتمل على معالجة بعض الظواهر الدلالية في العربية كالترادف والمشترك والأضداد مفصلا القول في بواعث هذه الظواهر، مشيرا إلى أثر البناء الائتلافي المنتظم للهجات متعددة في وقوعها، وأثر التطور اللغوي، والانتقال المجازي، ونواميس اللغة ايضا. ويعالج الفصل الثالث التطور الدلالي في العربية، وهو يستجمع حديثا عن أن التطور اللغوي ظاهرة لغوية عامة، وحديثا آخر عن أعراض تغير دلالات الألفاظ، وعوامل تغير المعنى ، وحديثا ثالثا عن موقف اللغويين القدماء من التطور الدلالي، وقد بدا لي أن جل اللغويين القدماء فطنوا إلى التطور اللغوي عامة، والدلالي خاصة، ولكن قبولهم غياه كان مشروطا بزمان ومكان محددين، أما ما طرأ بعد ذلك فهو لحن مرذول ،وهجنه مستقبحة إلا عند قليلهم، وقد أشرت في هذا الفصل إلى أن جل القدماء كانوا يجنحون إلى إلزام الألفاظ دلالاتها المنقولة، ولما كان ذلك كذلك، فقد ترتب عليه أطراح كل تطور في المعاني ، وقد كان من شأن هذا الذي تقدم أن يفضي باللغويين إلى إنكار ظواهر دلالية كالمشترك والترادف معتدين بالأصل الذي زال وانمحى فلم يبق إلا رسمه، وقد عرضت في هذا الفصل للمعجم اللغوي التاريخي متمثلا معجم دوزي وما صدر من معجم فيشر والمعجم الكبير. أما الفصل الرابع فهو يعالج ظاهرة لغوية عامة، وهي التفاصل، وصفوة القول أن هذه الظاهرة العامة تتجلى في جميع المستويات اللغوية، الصوتية، والصرفية ، والنحوية، والدلالية، والأسلوبية ، وقد عملت في هذا الفصل على تجلية مواضع ورودها مقتنصا بواعث ذلك، معتمدا على أمثلة مقصودة ومرصوده فأشرت إلى أثر تباين اللهجات في وقوع التفاصل، وأثر التطور الدلالي والمجاز، والمشترك اللفظي، والأضداد والسياق العام، والمجالات الدلالية، والنواميس الفاعلة في تشكيل النظام اللغوي. ومن الملاحظ أن جل بواعث هذه الظاهرة تتقاسمها اللغات، وهذا يؤذن بالقول إن ...


------------------
----------------------------------

مشاركة مع اصدقاء